محمد سعيد رمضان البوطي
339
فقه السيرة ( البوطي )
يتظاهرون به في الدنيا ، من الدرك الأسفل في النار يوم القيامة ، وقد أمر الشارع جل جلاله أن ندعهم لما تظاهروا به ونجري الأحكام الدنيوية حسب ظواهرهم ، ففيم التحقيق عن بواطن أعذارهم وحقيقة أقوالهم ، وفيم معاقبتهم في الدنيا على ما قد يصدر عنهم من كذب ونحن إنما نعطيهم الظاهر فقط من المعاملة والأحكام ، كما يبدون لنا هم أيضا ، الظاهر فقط من أحوالهم ، وعقائدهم . قال ابن القيم : وهكذا يفعل الرب سبحانه بعباده في عقوبات جرائمهم ، فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده ، بأدنى زلة وهفوة ، فلا يزال مستيقظا حذرا ، وأما من سقط من عين اللّه وهان عليه فإنه يخلي بينه وبين معاصيه ، وكلما أحدث ذنبا أحدث له نعمة « 1 » . واعلم أن في حديث كعب الطويل الذي ذكرناه عبرا ودلالات هامة تذكر منها ما يلي : أولا : مشروعية الهجر لسبب ديني ، فقد نهى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم المسلمين عن مكالمة كعب وصاحبيه طوال تلك المدة ، قال ابن القيم : وفيه دليل أيضا على أن رد السلام على من يستحق الهجر ليس بواجب « 2 » ، إذ كان مما قاله كعب : فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين . . وآتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول هل حرك شفتيه بردّ السلام عليّ أم لا ؟ فلو كان رد السلام عليه واجبا لكان لا بدّ من إسماعه . ثانيا : وابتلاء آخر امتحن اللّه به كعبا رضي اللّه عنه ، ومن الجدير التأول فيه لتعلم كيف ينبغي أن يكون إيمان المسلم بربه جل جلاله ، فقد رأيت أن ملك غسان أرسل إليه معظما ومبجلا يدعوه إلى ترك هؤلاء الذين آذوه وأعرضوا عنه ، واللحاق ببلاده ، ليجد عنده الإكرام والسعادة ، وكان قد بلغ الكرب إذ ذاك بكعب أشده ، ولكن هذا الابتلاء لم يكشف إلا عن المزيد من إيمانه بربه وشدة إخلاصه ومحبته له . وكم من أقدام زلت ، وتزل اليوم ، في هذا المنزلق الذي وضع أمام كعب رضي اللّه عنه لابتلائه به واختباره ، فمرّ من فوقه عزيزا قويا بإسلامه ، لم يتأثر به ولا انزلق فيه . ثالثا : سجود الشكر للّه تعالى عبادة مشروعة ، دل عليها سجود كعب رضي اللّه عنه حينما سمع صوت المبشر بتوبة اللّه عليه ، قال ابن القيم : وقد سجد أبو بكر الصديق لما
--> ( 1 ) زاد المعاد : 3 / 20 . ( 2 ) المرجع السابق : 3 / 20 .